محمد جواد مغنية
376
في ظلال نهج البلاغة
الفضيلة ، والقيم الأصلية التي لخصها الإمام بجماع الكرامة . ومن الحماقة أن يرى الانسان الكرامة لنفسه يطالب بها ، ثم لا يلتزم بما عليه من واجب ، ويستخف بكرامة الآخرين ، ولا يردعه عن الظلم والاعتداء إلا القوة ، ومن أجل هذا أمر سبحانه أن نخاطبه بلغة القوة : * ( « إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) * - 42 الشورى » . ولا نعرف عصرا أهدرت فيه سلامة الانسان وكرامته كالقرن العشرين . . فأي عصر من العصور بلغت فيه النفقات العسكرية ، والأسلحة السرية والعلنية لكل دول الأرض - نصف انتاج العالم كله . . وهل القصد من ذلك الحرص على سلامة البشرية وكرامتها ، أو الترويع والتهديد بإفنائها وإبادتها إذا هي لم تخضع وتستسلم لجور الطغاة المستبدين ، واستغلال الشركات والمستعمرين . ( اصطفى اللَّه تعالى منهجه ) أي انه تعالى اختار الاسلام طريقا إلى مرضاته ( وبيّن حججه ) وهي الأدلة على حلال اللَّه وحرامه ، وأشار إليها الإمام بقوله : ( من ظاهر علم ) نطق به الكتاب والسنة ( وباطن حكم ) دل عليها العقل الذي ينتقل بنا من معلوم محسوس إلى واقعة تترتب عليه حتما ولا تنفك عنه ( لا تفنى غرائبه ، ولا تنقضي عجائبه ) . وضمير الغائب للقرآن بدليل ما جاء في الخطبة 18 : « ان القرآن ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، لا تفنى عجائبه : ولا تنقضي غرائبه » . لا فناء ولا انقضاء لعظمة القرآن لأن شريعته بمبادئها تصلح لكل زمان ومكان ، ومن أجل هذا كان محمد ( ص ) خاتم الرسل والأنبياء ، والإسلام خاتم الرسالات السماوية . ( فيه مرابع النعم ) أي ان الأمة التي تسير في ضوء القرآن وتعاليمه تحيا حياة طيبة وكريمة ، والشاهد أنه رفع العرب من الحضيض إلى ساسة ممالك وأرباب عروش ولما أهملوه أفل نجمهم وذهب ريحهم ( ومصابيح الظلم ) تهدي إلى سواء السبيل ( لا تفتح الخيرات إلا بمفاتيحه ) لا تستقيم الحياة إلا بتعاليم القرآن ( ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه ) لا حل لمشكلات الحياة إلا بما أرشد اليه القرآن من الجهاد والعمل في كل مجال من مجالات الخير ، والأخذ بأيدي الذين يجعلون الحياة أكثر راحة وجمالا وخصبا .